أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

319

قهوة الإنشاء

أو كان ذاك البحر أظمأ فقده * فبدا المظفر قد تقسّم أبحرا أو كان ذاك الليث ولّى ضاريا * ذا الشبل فيه قد رأينا المخبرا أو كان موت أبيه أحزن دهرنا * هو بالمظفر قد غدا مستبشرا والناس مذ حزنوا عليه وعمّهم * فرح بنا قال البليغ مخبّرا نبكي فيأتينا الهنا متبسّما * كالغيث في حلل البروق تخدّرا وقرأت أعيان الدولة الشريفة لما جلسنا على الكرسي في سورة الإخلاص وتبّت يدا المعاند وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ « 1 » ، وفرح المسلمون بصدق البيعة تحت الشجرة المؤيّدية فأسبغ اللّه عليهم تلك الظلال . وعلمنا قصد المقام الشريف من الإعلام بهلاك قرا يوسف عدوّ الدولتين ، وكيف أزال اللّه رجسه وأباح بعده التيمم بصعيد أكناف البقعتين . فلا رحم اللّه هاتيك الروح ، وفتح لها أبواب جهنم فهو آخر ما أعدّ اللّه لها من الفتوح . والظاهر أنه لما مدّ إليه المقام الشريف مديد عزمه ووافره تقطّع قلبه تقطيعا ، وعلم أن سيف المقام طويل فمات من الخوف سريعا . وكان المقام الشريف الوالدي - نوّر اللّه ضريحه ، وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه - . فقد وافق المقام الشريف على قلع شاقّته « 2 » بعد ما سنّ له سيوف التقريع فولاذا . فكم قال له في مبادئ طغيانه : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا « 3 » . وكم سأل أن يكون له عضدا ، وأعرب عن خير ما أسداه « 4 » إليه من المبتدا ، فلم يجبه بغير قوله تعالى : وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً « 5 » . وكم سأل تشريفه بالأمثلة الشريفة فتلجلج لسان القلم وذهب مغاضبا ، ولم يرضه عن كفره أن يكون له عبدا مكاتبا . ولو كتب له مثالا ما تحرك لسان القلم « 6 » في ثغر سين البسملة ، وإذا انتهى إلى الختام عضّت عليه بنواجذها سين الحسبلة ، لأن البسملة جاءت لكتاب اللّه عنوانا ، والحسبلة نزلت في حق من زادهم اللّه إيمانا . وحميّة الإسلام منعته أن يجهّزهما إليه في كتاب مكنون ، وهما

--> ( 1 ) سورة الأحزاب 33 / 25 . ( 2 ) قلع شاقته : ها : قطع ساقه . ( 3 ) سورة يوسف 12 / 29 . ( 4 ) أسداه : ها : أسداه اللّه . ( 5 ) سورة الكهف 18 / 51 . ( 6 ) القلم : تو : قلمه .